المشاركات

الانتخابات والليبرالي العراقي السعيد.. كيف تعيق الليبرالية التفكير المنطقي بالسياسة؟

  الليبرالية تمثل إعاقة عقلية فكرياً في أي مكان تنتشر فيه مثلها مثل الشيوعية، والتفاعل مع الانتخابات العراقية في كل موسم من قبل التيار العلماني في العراق هو خير دليل على ذلك. بعيداً عن مناقشة مدعيات الشيوعية حول الطبيعة البشرية فلها مكان آخر، ولكن لو رأيت كمية التخبط والتناقضات والازدواجية التي يحملها الليبراليون العراقيون وحتى الاختلافات التي تحصل بينهم بين رافض ومؤيد للمشاركة وكيف يبررون مواقفهم المتخبطة هذه لعرفت ما أقصد. إن المزج بين موقف متشائم وموقف آخر متفائل من الطبيعة البشرية هو لب المشكلة في أي تنظير للفكر الليبرالي، فهذا الفكر بالنهاية هو نتاج عصر التنوير ولكنه يمثل ردة لما قبل عصر التنوير بحكم أن الطبقات البرجوازية التي تبنته صارت بديلة عن الطبقات الأرستقراطية التي كان لها زمام السلطة في ذلك الوقت، ولهذا من الطبيعي تجد أن أصحاب الليبرالية الكلاسيكية مثل جيمس ميل يؤمنون بديمقراطية برجوازية لا يحق إلا لأصحاب الشأن الانتخاب فيها، لكنك تجد التحول الصارخ في جيل واحد فقط من المفكرين في ابنه جون ستيوارت ميل حين شرّع حق "انتخاب الحكام" من قبل عموم الناس أو "الشعب...
 ما تذكره بعض المصادر التي أرخت للعبودية في التاريخ الأوربي، أن العبيد مُنِعوا من تكوين أي روابط عاطفية بين بعضهم، رجالاً ونساءً، إذ كانت الروابط العاطفية تعني اتصالاً، والاتصال يعني الوحدة، والوحدة تعني تكوين جماعة، وفوق ذلك، فإن جعلهم يعملون في نظام إنتائج لانهائي كان وسيلة فعالة للسيطرة المطلقة عليهم. لو حللنا جذور الأنظمة الاقتصادية الحديثة بعد الحرب العالمية، وحاولنا تفكيك البنى التي تقف خلفها، لوجدنا -نحن الذين نعيش في كنفها اليوم- أننا نعيش في نظام عبودية مماثل، لكن الفرق بيننا وبين غيرنا من العبيد أن هاتيك الأفارقة الذين كانوا يجلبون للعمل الشاق وبظروف قاسية يعرفون فعلاً أنهم عبيد، بحكم الطريقة التي يُعاملون بها، وكذلك الكيفية التي يُتبادلون بها بين التجار الأوربيين آنذاك، لكننا، عبيد اليوم، لا نملك إدراكاً عميقاً للكيفية التي استعبدتنا بها الأنظمة السياسية والاقتصادية الحديثة.  لا أريد التطرق لشكل الأنظمة السياسية بطبيعة الحال، فلها مقام آخر، ولكن مهما اختلفت بينها وتصارعت، كانت كلها -على الإطلاق- تملك القاتل الاقتصادي المتسلل، ألا وهو "البنك المركزي"، فهذا القاتل ال...

السلام المستصعب في الشرق الأوسط.

  علاقة العالم الآسيوي والأوربي مهما اختلفت وتضاربت فيما بينها فإنها تتشارك نفس التأثر بالعالم الإنجلو-سكسوني، بدأ الإنجلو-سكسون بتأسيس إمبراطوريتهم منذ أواسط القرون الوسطى، وصعدت بريطانيا العظمى كتجسيد لهذا الصعود، وحتى حين ولدت الولايات المتحدة الأميركية كدولة من لا شيء، فقد أخذت نفس التقاليد الإنجلو-سكسونية بالحكم والسياسة والحرب، وهذا بالتأكيد ما جعل كثيراً من المؤرخين والفلاسفة يعتبرون ما يسمى بــ"الثورة الأميركية" مجرد حرب استقلال لا ثورة، لأن الثورة تتطلب تغييراً جذرياً في بنية النظام والتفكير السياسي وهذا ما لم يحدث مع الدولة الناشئة، فهي نسخة مستنسخة عن راعيتها السابقة وفرقها عنها وجود ملك لا أكثر. في داخل القارة الأوربية، كان لهذا الحلف "لندن-واشنطن" منافسون أشداء، كان أقواهم وأبرزهم ألمانيا، وكان صعودها يشكل بكل تأكيد هاجساً مقلقاً لهذا الحلف، ولكن رغم القوة الاقتصادية والعسكرية، خسرت ألمانيا مرتين، مرةً في محاولة وضع نفسها بموازاة هذا الحلف، ومرة أخرى في محاولة الانتقام من هزيمتها المذلة في الحرب العالمية الأولى، إلى أن تشذبت ألمانيا في آخر الأمر ووُ...

سبيستون... أين هزيم الرعد؟

  قبل فترة شاهدت تقريراً عن تاريخ سبيستون، يتحدث عن نشوئها وما قدمته من أعمال، من ضمن ما ذكره التقرير أن سبيستون اليوم مجبرة على التماهي مع "العصر" وبالتالي فإنها لم تعد تعرض أعمالاً كالتي عرفناها، نحن الجيل الذي تربى على هذه الأعمال وتأثر بها أيما تأثر، صرنا نفتقد أمثالها في أعمال اليوم، الموضوع بنظري أشمل من أن يكون مجرد تماهي مع العصر أو مع ما هو رائج. إن ما بعد الحداثة عاجزة عن صنع تراث خاص بها -في مختلف المجالات وليس فقط في مثل هذه الأشياء- بسبب غرقها بالنسبوية وعدم قدرتها على صنع معايير خاصة حول أي شيء، فالمعيار الوحيد هو اللامعيار، بالإضافة للخضوع لمنطق السوق في تكوين الأعمال الفنية والأدبية، لا أدري إن جرب أحدكم هذا الأمر أو لا، ولكن جرب أن تعرض لطفل عنده هاتف أو آيباد، متشبع بمحتوى اليوتيوب الكرتوني أو حتى بمقاطع التيك توك، جرب أن تشاهد معه ريمي أو هزيم الرعد أو اجنحة كاندام، أنا متأكد أنه لن يطيق ذلك، لأن التشبع المبكر بمحتوى مخصص للكبار أو محتوى كرتوني مخصص "للمتعة البصرية" فقط جعلهم لا يستسيغون أعمالاً موجهة للأطفال فعلاً وهي لا تريد أن تمتعهم بصرياً فقط...

هل مات المتنبي كشارع للمعرفة؟

  منذ سنة 2014 بدأت أذهب للمتنبي وإن بشكل متقطع لأشتري ما تيسر من الكتب وقتها، مهما اختلفت أفكاري وتوجهاتي، كان المتنبي هو المكان الذي أغير فيه هذه الأفكار، أتذكر جيداً جلوسي في إحدى دور النشر التي كنت أملك علاقة صداقة مع صاحبها وبيدي كتاب نولدكة "تاريخ القرآن"، في لحظة ما، مفارقة لكل ما نشأت عليه، غيرت رؤيتي للعالم بلا رجعة حينها. أما أصحاب البسطيات فهم قصة أخرى، كانوا يجلبون كتباً لا يعرفون قيمتها، ويبيعونها بثمن بخس، وكنت أجد الكثير من الطبعات النادرة عندهم، وما أرجحه كسبب يعلل وجود هذه الكتب لديهم هو حصولهم على مجموعة من مكتبات الأساتذة والمثقفين والعلماء الذين اضطروا لبيع كتبهم في أثناء فترة الحصار، وكنت أجد على الكثير منها فعلاً كتابات أو تواقيع أو تأشيرات تشير لتلك الفترة، لهذا فكثيراً ما أجد طبعات وكتباً قيمة جداً قد لا أجدها في أي مكان آخر في العراق. لم تربطني علاقة صداقة عميقة مع مرتاديه، باستثناء بعض الصداقات الطيبة، إذ لم يعجبني نمطهم بالحياة ولا حتى طبيعة الأفكار التي يحملونها، وكنت دائماً ما أعتقد أن هذا المكان ليس للقاء صديق أو نزهة، هو مساحة خاصة لاكتشاف الذا...

الدولة وحمّى الآيدوليجيات الحديثة.

  في خضم نقاشات الإسلاميين والعلمانيين -شيوعيين كانوا أو ليبراليين، لا يفرق بالسياق العربي- فإن جميع الأطراف تتفق على شيء واحد لا خلاف فيه: الدولة هي الأداة الأولى لفعل ما هو صواب وتجنب ما هو خطأ، وتحقيق الجنة المثالية الموعودة التي تعد بها كل أيدولوجيا، يعتمد على إعطاء السلطة لأحد الأطراف التي يعتقد كل طرف بأحقيتها بالحكم، رجال الدين، العمال، أو الشعب، وبالتالي فإن النقاش بينهم لا يدور مثلاً حول الطبيعة البشرية-وهو نقاش محوري قسّم فلاسفة عصر النهضة والتنوير ومن جاء بعدهم لتصور مقيد وتصور حر حسب تقسيم توماس سويل- وإنما هو خلاف حول من له الأسبقية بفعل الكارثة والبكاء على أطلال ما قبلها بكل الأحوال. المبدأ بسيط للغاية: الطبيعة البشرية ليست مثالية، وإعطاء السلطة لمزيد من الناس والطبقات سوف يفسدهم، مهما كانوا سابقاً قبل توليهم لها، ولهذا يجب أن تكون السلطة محدودة قدر الإمكان، وكلما سحبت الدولة يدها من شأنٍ ما، كان ذلك أفضل لها ولمن تريد التدخل من أجله. لو حللت تاريخ ما بعد الحرب العالمية وقيام الجمهوريات بمختلف أشكالها، الشيوعية والليبرالية والإسلامية، لوجدت أن هذه الجمهوريات مهما اختل...

كيف تقوي لغتك العربية؟

  يسألني كثيرٌ من الأصدقاء عن كيفية إتقان اللغة العربية، هذه خطوات عملية وعلميّة لإتقانها، وهي مجرّبة مني كدارسٍ لها ومتقن: أولاً: لا يُمكن أن تُتقن أي لغة دون التشبّع بها، ولكلّ لغةٍ مادةٌ خاصّة لكي تتشبع منها، فمادة اللغة العربية مثلاً القرآن والشعر والأدب العربي القديم، أي كتاب تجده لواحدٍ من أدباء العرب القدامى مفيدٌ لك وسيجعلك تتقن هذه اللغة على نحوٍ أفضلَ وأسرع، وهنا أرشّح لك ما جالَ في خاطري منها: ألف ليلة وليلة. كتاب التاج في أخلاق الملوك/ الجاحظ. الإمتاع والمؤانسة: أبو حيان التوحيدي. كليلة ودمنة/ ابن المقفّع. ديوان الشاعر عمر بن أبي ربيعة. ديوان الأرّجاني. ديوان الشريف الرضي. ديوان الشريف المرتضى. ثانياً: في أثناء التشبّع بمادتها والغوصِ في أدبها، لن تحتاجَ لغوصٍ مشابهٍ في علومها، فذلك شأن المتخصصين، ولذلك حين كان علماءُ اللغةِ يؤلفون كتبهم، كانوا يراعون هذه المسألة أيما عناية، فرغمَ أنّ ابن جنيّ ألف "الخصائص" و"سر صناعة الإعراب"، وهما كتابان تخصصيان لأهل العلم، ألّف أيضاً كتاباً بسيطاً في النحو اسمه "اللمع"، وحين ألّف ابن مالك ألفيته المشهورة، أل...