الدولة وحمّى الآيدوليجيات الحديثة.
في خضم نقاشات الإسلاميين والعلمانيين -شيوعيين كانوا أو ليبراليين، لا يفرق بالسياق العربي- فإن جميع الأطراف تتفق على شيء واحد لا خلاف فيه: الدولة هي الأداة الأولى لفعل ما هو صواب وتجنب ما هو خطأ، وتحقيق الجنة المثالية الموعودة التي تعد بها كل أيدولوجيا، يعتمد على إعطاء السلطة لأحد الأطراف التي يعتقد كل طرف بأحقيتها بالحكم، رجال الدين، العمال، أو الشعب، وبالتالي فإن النقاش بينهم لا يدور مثلاً حول الطبيعة البشرية-وهو نقاش محوري قسّم فلاسفة عصر النهضة والتنوير ومن جاء بعدهم لتصور مقيد وتصور حر حسب تقسيم توماس سويل- وإنما هو خلاف حول من له الأسبقية بفعل الكارثة والبكاء على أطلال ما قبلها بكل الأحوال.
المبدأ بسيط للغاية: الطبيعة البشرية ليست مثالية، وإعطاء السلطة لمزيد من الناس والطبقات سوف يفسدهم، مهما كانوا سابقاً قبل توليهم لها، ولهذا يجب أن تكون السلطة محدودة قدر الإمكان، وكلما سحبت الدولة يدها من شأنٍ ما، كان ذلك أفضل لها ولمن تريد التدخل من أجله.
لو حللت تاريخ ما بعد الحرب العالمية وقيام الجمهوريات بمختلف أشكالها، الشيوعية والليبرالية والإسلامية، لوجدت أن هذه الجمهوريات مهما اختلفت الطبقة التي سيطرت عليها، فإنها تشترك بشيء واحد: توزيع السلطة على عدد واسع من الطبقات، وبالتالي زيادة الفساد والخراب والحروب العبثية التي لا طائل منها.
لو قلنا أن أميركا تمثل الحالة الليبرالية من حيث تسليم السلطة لشعب يقدّس رأس المال، فإننا نرى بوضوح أن تسليم السلطة لهم أفسد رأس المال نفسه وأفسد الشعب أيضاً، كل اللوائح التنظيمية والهيئات الحكومية والبنك المركزي الذي يعبث بمصائر ملايين الناس حول العالم أسسه أصحاب رؤوس الأموال في بداية القرن العشرين لكي يحظوا بمزيد من السلطة والسيطرة، ولو قلنا أن روسيا تمثل الحالة الشيوعية، فإننا رأينا كيف أن ثوار البرولتاريا والفلاحين والفقراء الذين ثاروا على القيصر لظلمه المفترض ضدهم ارتكبوا المجازر تلو المجازر بحق رفاقهم قبل أن يرتكبوها ضد الملايين من أبناء الشعب الروسي، ولو قلنا أن إيران تمثل الحالة الإسلامية، فإن مأساتها أكبر من حيث أنها أدخلت مذهباً هو تأسس من حيث المبدأ ضد السلطات القائمة المتعاقبة وحافظ عليه قادته وأتباعه بعيداً عن السلطة لقرون طويلة وبمجرد أن دخلت طبقة رجال الدين الشيعية في إيران بالحكم أفسدت الحكم والمذهب معاً.
حالة العراق- كعادة أبو الرافدين طبعاً- تمثل تطرفاً في كل ما سبق، الشعب ورؤوس الأموال ورجال الدين والفقراء والعمال وحتى العاهرات لهن نصيب من ذلك، على مدى القرن الأخير، تمثلت معضلة العراق بتوزيع السلطة على طبقات أوسع منذ تأسيس الدولة، كانت الملكية العراقية الوليدة ميتة منذ ولادتها بحكم كونها ملكية دستورية وليست مطلقة، أي أن السلطة ليست محصورة بيد قلة فقط وإنما هي متوزعة على فئات أوسع من الشعب، في البرلمان ومجلس الأعيان وغيره من مؤسسات الدولة آنذاك، أما الجمهورية العراقية فقصتها أكثر مأساة بحكم أنها بدأت تتضخم إلى أن وصلت لهذا الحجم المرعب الذي نراه-الدولة العراقية تملك واحداً من أكبر الأجهزة الحكومية قياساً بعدد السكان بالعالم!-، لاحظ أن الفئات الاجتماعية التي كانت محترمة في العراق سابقاً بمجرد أن دخل بعض منها في هيكل السلطة المتضخم لهذه الجمهورية بعد 2003، مثل الشيوخ ورجال الدين وحتى السادة، فإن احترامهم قد قل عند الناس بشكل ملحوظ، وتحولت المذاهب الدينية في العراق من كونها مذاهب ذات تراث علمي وأدبي وفلسفي يمتد لقرون إلى حالات من الهسترة السياسية التي يتنابز أصحابها لحصد أكبر قدر ممكن من المكاسب.
مختصر الكلام، الدولة ليست أداة لفعل ما هو صواب، ولا لتجنب ما هو خطأ، لأنها مؤسسة طفيلية تعتاش على غيرها وتحاول التوسع دائماً، وكل أيدولوجيا أو فكر يعتقد بأن الدولة هي عكس ذلك فإن علينا أن نتجنبه ونشك به ألف مرة قبل أن نعتنقه وندافع عنه.
تعليقات
إرسال تعليق