السلام المستصعب في الشرق الأوسط.

 

علاقة العالم الآسيوي والأوربي مهما اختلفت وتضاربت فيما بينها فإنها تتشارك نفس التأثر بالعالم الإنجلو-سكسوني، بدأ الإنجلو-سكسون بتأسيس إمبراطوريتهم منذ أواسط القرون الوسطى، وصعدت بريطانيا العظمى كتجسيد لهذا الصعود، وحتى حين ولدت الولايات المتحدة الأميركية كدولة من لا شيء، فقد أخذت نفس التقاليد الإنجلو-سكسونية بالحكم والسياسة والحرب، وهذا بالتأكيد ما جعل كثيراً من المؤرخين والفلاسفة يعتبرون ما يسمى بــ"الثورة الأميركية" مجرد حرب استقلال لا ثورة، لأن الثورة تتطلب تغييراً جذرياً في بنية النظام والتفكير السياسي وهذا ما لم يحدث مع الدولة الناشئة، فهي نسخة مستنسخة عن راعيتها السابقة وفرقها عنها وجود ملك لا أكثر.

في داخل القارة الأوربية، كان لهذا الحلف "لندن-واشنطن" منافسون أشداء، كان أقواهم وأبرزهم ألمانيا، وكان صعودها يشكل بكل تأكيد هاجساً مقلقاً لهذا الحلف، ولكن رغم القوة الاقتصادية والعسكرية، خسرت ألمانيا مرتين، مرةً في محاولة وضع نفسها بموازاة هذا الحلف، ومرة أخرى في محاولة الانتقام من هزيمتها المذلة في الحرب العالمية الأولى، إلى أن تشذبت ألمانيا في آخر الأمر ووُضِعت كدولة أليفة داخل اتحاد تقوده نفس القوى المنتصرة في الحرب، قس على ذلك طبعاً الاتحاد السوفييتي وكيف انتهى أيضاً كمنافس لهذا الحلف.

 حين تأتي للشرق الأوسط، تجد أن هذا الحلف قد شكل تاريخه لألف سنة قادمة، منذ تأسيس دوله في اتفاقيات سايكس بيكو، وصولاً لتحالفاته التي عُقدت تجنباً لحرب كبرى بين قواه الصاعدة بعد الحرب العالمية الثانية، كان حلف بغداد هو جوهرة هذه التحالفات، وبمجرد خروج العراق منه وتحوله لجمهورية معادية في سياستها العامة للغرب والحلف الإنجلو-سكسوني، مضافاً للعداء المركب لإسرائيل، فقد مهدت المنطقة لنفسها حروباً مستقبلية لا تنتهي.

مشكلة إسرائيل هي أكثر المشاكل تعقيداً في المنطقة، فهي دولة غير طبيعية والحرب معها لن تتوقف بمجرد صلح أو الجلوس على طاولة مفاوضات كما حدث في حرب إيران أو حرب الخليج مثلاً، لأن الحرب هنا لا تنتمي لجنس الحروب التقليدية وإنما يأخذ العامل الديني فيها حيزاً كبيراً، ومن المفاجأة، أن هذا العامل يحتوي عناصر مسيحية أكثر من اليهودية، بحكم أن الاعتقاد اليهودي يقر بالشتات لا بالاستقرار وأن تأسيس دولة يهودية مخالف لعقيدة التوراة، بينما يعتقد المسيحيون الإنجيليون أن تأسيس دولة لليهود سوف يعجّل من عودة المسيح إلى الأرض، إن هذا التراكب الوظيفي جعل "الردع" هو الأداة الأساسية لضمان أمان هذه الدولة، وهذا الردع مصمم ومعزز بأقوى تكنولوجيا عرفها الإنسان خلال تاريخه، وهو مضمون الفاعلية بحكم احتكاره وعدم إعطائه لأحد من دول المنطقة، إن هذه المحاولات التي عرفتها المنطقة لمجابهة حلف الإنجلوسكسون مع اليهود كلها باءت بالفشل، يعتبرها الكثيرون اليوم "مغامرات" لا محاولات أصلاً، وهذا يعتمد على الموقف الآيدولوجي بطبيعة الحال، فالإسلاميون يعتبرون ما فعله جمال عبد الناصر مغامرة، وما فعله صدام حسين استهتاراً، لكن ما يفعله اليوم الإسلاميون وإن بأقل الكلف وبأبسط الوسائل ضد نفس العدو هو جهاد وقتال ضد عدو محتل، وإن انتهت القومية العربية بالهزيمة العسكرية للعراق في حرب الخليج فإن الإسلام السياسي لن ينتهي بنفس الطريقة، بحكم أنه يستخدم النص الديني ويلعب على وتر الخيال العقائدي مع تطعيمه بشعارات ثورية يسارية، إن هذا الواقع المظلم للشرق الأوسط يحيل الإنسان الذي لا يريد أن ينغمس مع هذه الأطراف إلى العدمية السياسية، فلا أميركا سوف تنهار على المدى القريب ليتوقف دعم إسرائيل بهذا الشكل ولا العرب يملكون القدرة لبناء قوة اقتصادية وعسكرية قادرة على المجابهة كما تحاول الصين أن تفعل منذ عقود مثلاً، قد نتفاعل مع الحدث الفلاني بسخرية وتارةً بجدية، لكن ما يجري فعلاً عصي على الحل إما بحرب شاملة كما حدث في الحرب العالمية الأولى والثانية أو باتفاق سلام نهائي يحل كافة المشاكل العالقة ويتجنب أكبر قدر ممكن من الخسائر لجميع الأطراف.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدولة وحمّى الآيدوليجيات الحديثة.

الانتخابات والليبرالي العراقي السعيد.. كيف تعيق الليبرالية التفكير المنطقي بالسياسة؟