هل مات المتنبي كشارع للمعرفة؟

 

منذ سنة 2014 بدأت أذهب للمتنبي وإن بشكل متقطع لأشتري ما تيسر من الكتب وقتها، مهما اختلفت أفكاري وتوجهاتي، كان المتنبي هو المكان الذي أغير فيه هذه الأفكار، أتذكر جيداً جلوسي في إحدى دور النشر التي كنت أملك علاقة صداقة مع صاحبها وبيدي كتاب نولدكة "تاريخ القرآن"، في لحظة ما، مفارقة لكل ما نشأت عليه، غيرت رؤيتي للعالم بلا رجعة حينها.
أما أصحاب البسطيات فهم قصة أخرى، كانوا يجلبون كتباً لا يعرفون قيمتها، ويبيعونها بثمن بخس، وكنت أجد الكثير من الطبعات النادرة عندهم، وما أرجحه كسبب يعلل وجود هذه الكتب لديهم هو حصولهم على مجموعة من مكتبات الأساتذة والمثقفين والعلماء الذين اضطروا لبيع كتبهم في أثناء فترة الحصار، وكنت أجد على الكثير منها فعلاً كتابات أو تواقيع أو تأشيرات تشير لتلك الفترة، لهذا فكثيراً ما أجد طبعات وكتباً قيمة جداً قد لا أجدها في أي مكان آخر في العراق.
لم تربطني علاقة صداقة عميقة مع مرتاديه، باستثناء بعض الصداقات الطيبة، إذ لم يعجبني نمطهم بالحياة ولا حتى طبيعة الأفكار التي يحملونها، وكنت دائماً ما أعتقد أن هذا المكان ليس للقاء صديق أو نزهة، هو مساحة خاصة لاكتشاف الذات قبل أي شيء آخر.
انقطعت عن الذهاب خلال السنوات الأخيرة، ولكني أذهب بين فترة وأخرى لأكتشف ما الجديد، لأصطدم بحقيقة أن هذا الشارع ما زال حتى الآن يعيش على ذكرى حركة التأليف والترجمة التي انطلقت بالعراق بعد 2009 بحكم الانفتاح النسبي الذي شهده البلد وكذلك الاهتمامات التي انشغل بها الجيل الثمانيني والتسعيني الشاب وقتها، لا جديد في الترجمة ولا جديد في التأليف، نفس العناوين تكرر نفسها وبطبعات مماثلة.
الطامة الأخرى التي اصطدمت بها هي أن الشارع "الثقافي" الأهم في بغداد لا توجد فيه مكتبة للكتب باللغة الإنجليزية، بعد أن صارت أغلب الكتب التي أطالعها بهذه اللغة، لم أجد مكتبة واحدة معتبرة للكتب الجادة بها، وحتى إن وجدت فهي لا تحوي إلا كتب تنمية بشرية بائرة وعديمة الفائدة.
هل الخلل بالناشر؟ حتى لو قلنا أن الخلل بالناشر في بعض الجوانب المتعلقة باختيار العناوين والتسويق للكتب، لكن الخلل الأكبر هو بالناس، انحسر الاهتمام بالمعرفة لصالح اهتمامات أخرى، وفي عالم متشتت ومضطرب بالأخبار اليومية، وكذلك انشغال الأفراد بتحصيل قوت يومهم بدولة مضطربة ولانظامية كالعراق، فأنا أعتقد أن المتنبي قد مات موتاً سريرياً كمكان لتحصيل العلم وهذا ما يفسر أيضاً تزايد أصحاب بسطيات الأكل فيه، إذ يأتي الناس للاستمتاع والترفيه لا أكثر.
صار بالنسبة لي مكاناً أتذكر فيه نفسي لا أكثر، كيف كنت وكيف صرت بعد ذلك، ما عدا ذلك فإن هذا الشارع مات سريرياً بنظري منذ وقت طويل كشارع للمعرفة الجادة والمعتبرة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدولة وحمّى الآيدوليجيات الحديثة.

الانتخابات والليبرالي العراقي السعيد.. كيف تعيق الليبرالية التفكير المنطقي بالسياسة؟

السلام المستصعب في الشرق الأوسط.