ما تذكره بعض المصادر التي أرخت للعبودية في التاريخ الأوربي، أن العبيد مُنِعوا من تكوين أي روابط عاطفية بين بعضهم، رجالاً ونساءً، إذ كانت الروابط العاطفية تعني اتصالاً، والاتصال يعني الوحدة، والوحدة تعني تكوين جماعة، وفوق ذلك، فإن جعلهم يعملون في نظام إنتائج لانهائي كان وسيلة فعالة للسيطرة المطلقة عليهم.

لو حللنا جذور الأنظمة الاقتصادية الحديثة بعد الحرب العالمية، وحاولنا تفكيك البنى التي تقف خلفها، لوجدنا -نحن الذين نعيش في كنفها اليوم- أننا نعيش في نظام عبودية مماثل، لكن الفرق بيننا وبين غيرنا من العبيد أن هاتيك الأفارقة الذين كانوا يجلبون للعمل الشاق وبظروف قاسية يعرفون فعلاً أنهم عبيد، بحكم الطريقة التي يُعاملون بها، وكذلك الكيفية التي يُتبادلون بها بين التجار الأوربيين آنذاك، لكننا، عبيد اليوم، لا نملك إدراكاً عميقاً للكيفية التي استعبدتنا بها الأنظمة السياسية والاقتصادية الحديثة.

 لا أريد التطرق لشكل الأنظمة السياسية بطبيعة الحال، فلها مقام آخر، ولكن مهما اختلفت بينها وتصارعت، كانت كلها -على الإطلاق- تملك القاتل الاقتصادي المتسلل، ألا وهو "البنك المركزي"، فهذا القاتل الذي مكّن هذه الأنظمة من خوض الحروب تلو الحروب، هو المسؤول الأساسي عن نظام العبودية الحديث برمته، وحتى نفهم لِمَ هو كذلك، علينا العودة قليلاً لجذور تأسيس أهم بنك مركزي في العالم، بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.

 في أواخر القرن التاسع عشر، كانت أميركا تعيش ازدهاراً اقتصادياً جباراً، فالإنتاج الصناعي والزراعي وصل رمته، والأسعار آيلة للانخفاض بحكم قوة المعروض، هنا مسألة مهمة يجب الانتباه لها، إذ أن ما يحكم العرض والطلب قانونٌ يسميه الاقتصاديون "قانون تناقص المنفعة الحدية"، وهذا القانون يدركه أبسط رجل سوق موجود على الأرض، كلما زاد المعروض من سلعةٍ معينة، قلّت قيمتها، بحكم أن الناس لا يدفعون أكثر لما هو متوفر أصلاً، وهذا ما يفسر رخص قنينة الماء رغم أن الماء جوهري لحياة الإنسان مقابل قطعة الألماس، فنحن نعيش على كوكب مائي، وبحكم توفره، فإننا ندفع أقل بكثير مقابله مقارنةً بقطعة نادرة أو مميزة من الألماس أو الذهب.

عوداً على ظروف نشوء البنك المركزي الأميركي، فإن هذا النظام الإنتاجي كان متشعباً على عدة أقسام، بين صناعة وزراعة وتجارة، ولكن كانت سكك الحديد هي عصب هذا النظام، إذا كنتَ مزارعاً يريد بيع محصوله، أو تاجراً يروم نقل بضاعته أو جلبها من مكان آخر، أو مالك مصنع يعتزم تصدير منتوجاته، فمن الصعب لا بل والمستحيل أن تفعل ذلك بدون السكك الحديدية المتشابكة بين الولايات، لهذا كانت صناعة الحديد والصلب، وبالتوازي صناعة السكك الحديدية، هي المهيمنة على هذا النظام الإنتاجي وذات العائدية الأكبر.

 

نشأت "كارتيلات" أي تجمعات عصبوية لمحاولة فرض احتكار على هذه الصناعات من أجل تقليل الإنتاج وجعله محدوداً ضمن عدد من المصانع وهذا من شأنه طبعاً سيزيد الأسعار ارتفاعاً بحكم أن المعروض سوف يكون أقل والطلب مرتفع فترتفع معه القيمة السعرية لهذه المنتجات، وعلى خط موازٍ، كانت البنوك الخاصة المسؤولة عن القروض التي تمول هذه المشاريع أيضاً كثيرة ومتوزعة على عدد مختلف من الولايات، علاوة على ذلك، يجب أن تكون هناك هيئات احتكارية تقيد المنافسة 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدولة وحمّى الآيدوليجيات الحديثة.

الانتخابات والليبرالي العراقي السعيد.. كيف تعيق الليبرالية التفكير المنطقي بالسياسة؟

السلام المستصعب في الشرق الأوسط.