سبيستون... أين هزيم الرعد؟
قبل فترة شاهدت تقريراً عن تاريخ سبيستون، يتحدث عن نشوئها وما قدمته من أعمال، من ضمن ما ذكره التقرير أن سبيستون اليوم مجبرة على التماهي مع "العصر" وبالتالي فإنها لم تعد تعرض أعمالاً كالتي عرفناها، نحن الجيل الذي تربى على هذه الأعمال وتأثر بها أيما تأثر، صرنا نفتقد أمثالها في أعمال اليوم، الموضوع بنظري أشمل من أن يكون مجرد تماهي مع العصر أو مع ما هو رائج.
إن ما بعد الحداثة عاجزة عن صنع تراث خاص بها -في مختلف المجالات وليس فقط في مثل هذه الأشياء- بسبب غرقها بالنسبوية وعدم قدرتها على صنع معايير خاصة حول أي شيء، فالمعيار الوحيد هو اللامعيار، بالإضافة للخضوع لمنطق السوق في تكوين الأعمال الفنية والأدبية، لا أدري إن جرب أحدكم هذا الأمر أو لا، ولكن جرب أن تعرض لطفل عنده هاتف أو آيباد، متشبع بمحتوى اليوتيوب الكرتوني أو حتى بمقاطع التيك توك، جرب أن تشاهد معه ريمي أو هزيم الرعد أو اجنحة كاندام، أنا متأكد أنه لن يطيق ذلك، لأن التشبع المبكر بمحتوى مخصص للكبار أو محتوى كرتوني مخصص "للمتعة البصرية" فقط جعلهم لا يستسيغون أعمالاً موجهة للأطفال فعلاً وهي لا تريد أن تمتعهم بصرياً فقط وإنما تربيهم أيضاً، تتحدث عن مواضيع خارج دائرة تكوينهم المبكر، العدل والظلم والغنى والفقر والخير والشر، ولذلك فهم لا يطيقون هذه الأعمال بأي شكل من الأشكال إلا ما رحم ربي.
بُنيت الأعمال الكلاسيكية على رؤية واقعية للحياة، فحتى "العدل" إن انتصر يوماً فهو لن يفعل ذلك إلا بعد أن يدخل بحروب طاحنة وتحدث الكثير من الملاحم قبل أن ينتصر، وفي بعض الأحيان ليس من الضروري أن ينتصر أصلاً، في هزيم الرعد، خاض هزيم حروبه الكثيرة وانتصر في أغلبها، والغرض من هذه الحروب كان أن يقيم نظاماً يضمن العدل في المجرة ويمنع الحروب مستقبلاً، ولكنه اصطدم بروجر، الذي خاض حروباً أيضاً واتضح أنه يريد إقامة نظام للعدل خاص به، المعركة هنا لا تتحول بين الخير والشر، وإنما هي معركة وجود وإثبات ذات، وأن الحياة أعقد من أن نختصرها بثنائية الخير والشر المعهودة.
الأسئلة حول الـ Rudiments أو الأساسيات الأولى عن الحياة أو الكون أو الطبيعة البشرية أثيرت بفاعلية بهذه الأعمال، هذه الأسئلة خارجة عن دائرة اهتمام أجيال استهلاكية تفقد الاستقرار الروحي شيئاً فشيئاً وتتحول لمجرد أرقام في سوق رأس المال، ولهذا تجد أن منتج الأعمال الكرتونية يعلم لمن يوجه أعماله، هو يوجهها لأطفال يتشبعون منذ نعومة أظفارهم باللامعنى والعبث اليومي، وليس لأجيال عاشت أو على الأقل ورثت صعوبات ومشاكل الأجيال التي سبقتها كأجيالنا وبالتالي فإنها مهتمة بمكانها في هذا العالم بعناية -هذا ما يفسر كثرة حالات الاكتئاب والأزمات الوجودية عند Gen Z أكثر ممن أتى بعدهم أو قبلهم-.
يبدو أننا سوف نفقد مثل هذه الأعمال للأبد بلا رجعة، ولكن العزاء هو في وجود الأعمال القديمة التي تشبعنا بها منذ الطفولة، بالنسبة لي على الأقل، كلما احتجت لجرعة تحفيز، أو على الأقل أواجه بعض الصعوبات أو الضغوطات النفسية في حياتي بسبب العمل أو الناس أو أي شيء آخر، أذهب لأسمع أغاني هذه الأعمال أو أشاهد بعضاً منها.
تعليقات
إرسال تعليق