الإسلام واليهودية.. إيران وإسرائيل.
في بداية حرب الـ 12 يوماً بين إسرائيل وإيران كتبتُ:
ما زالت الخلطة الأيديولوجية والدينية التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية تعبث بمصير البشرية حتى اليوم. وبالنسبة لي، كشخص يدّعي امتلاكه اطلاعاً جيداً على تاريخ المئة عام الأخيرة، ويعيش في بلد خَبِر معظم أحداثها، أرى أن المعركة الراهنة لا تُختزل في صراع على الموارد أو المصالح. لقد منحتنا الرأسمالية كل ما نريد وأكثر، إلا أن الحرب اليوم هي بين من يسعى لفرض "روايته" على العالم.
تمكنت المسيحية من حل إشكالية العلاقة بين الدين والدولة، بينما لم يفعل الإسلام ولا اليهودية ذلك. وقد عاد الغرب المسيحي اليوم ليبشر مجدداً، لكن هذه المرة بالليبرالية. هذا التعقيد المتداخل بين ما هو ديني وما هو حداثي هو الذي يحكم واقعنا المعاصر. الجميع يتحرك وفق مبدأ: "أتغدى بي قبل ما يتعشى بيه". إسرائيل وأميركا تسعيان إلى تدمير إيران، إذ تعتقدان أن "الجمهورية الإسلامية" لا تعترف بالحدود، وأن السماح لها بالتمدد يُهدد حضارة الغرب. بالمقابل، تطمح إيران إلى تدمير إسرائيل وطرد أميركا من المنطقة، لاعتقادها أن هاتين القوتين تفرضان ثقافة "دخيلة" لا تنسجم مع الثوابت الإسلامية في فهم الحياة.
لذلك، لم أُعلّق أي آمال على أخبار المفاوضات النووية بين الطرفين، وكنت على يقين شبه تام بأن حتى لو تم التوصل إلى اتفاق، فإن الحرب بينهما لن تنتهي، بل ستعود بشكل أو بآخر. وللأسف، لم تخب توقعاتي المتشائمة في هذا النوع من القضايا.
سنجد، كجنس بشري، آلاف الأسباب لخوض الحروب، فهذا ما جبلنا عليه منذ مئات الآلاف من السنين. والدول التي نشأت على أفكار عصر التنوير، ها هي اليوم تشعل الحروب مجدداً. لكنها لم تعد حروباً بين ملوك على أراضٍ وموارد، تلك التي أغضبت فلاسفة التنوير ودعتهم لصياغة أيديولوجياتهم "السطحية" عن الحياة، بل أصبحت حرب الجميع ضد الجميع. لا أحد بريء. لا أحد ناجٍ. الكل في مرمى نيران الكل.
بعد فترة من نهاية الحرب كتبت أيضاً:
قبل فترة كتبت أن الصراع بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى لن ينتهى حتى لو حصلت بين الطرفين ألف هدنة، لأن هذا الصراع خارج عن دائرة الحرب التقليدية المتمثلة بالسيطرة على الأراضي والموارد وهو يتوسع ليشمل النزاع حول "القصة" التي يعتقد كل طرف بصحتها عن العالم.
تذكرت منشوري السابق وأنا أقرأ اليوم كتاب الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني "الاستخلاف المستحيل" بالتوازي مع قراءة تقارير مفصلة أخرى عن احتمالية عودة النزاع بينهما في القريب العاجل، الحديث عن الموضوع الأساسي من الكتاب ليس هدفي الآن، ومن يُرِد نسخة منه ليعرفه أكثر سيجدها موجودة على تليغرام بمجرد كتابة اسمه، ولكن ما يهمني فيه هو تفكيك "التوحيدية" ليس كدين وإنما كفلسفة كونية عن العالم، بأدوات احترافية تمزج بين التاريخي والمنطقي والفلسفي، ومقارنتها مع الفلسفات البوذية واليونانية القديمة بطريقة أقل ما يقال عنها أنها مبهرة وذكية.
كل نقد وجّه للغرب في ثقافتنا العربية لم يلمس جوهر المشكلة المتمثلة بتشاركنا معهم بنفس المشكل "التوحيدي"، فالليبرالية والشيوعية مهما انتقدها الإسلاميون أو الكتاب ذوو الهوى الديني فهي توحيديات معلمنة لا أكثر، استبدلت الشيوعية "العالمين" التوحيدية بشعار "يا عمال العالم اتحدوا" واستبدلتها الليبرالية بـ "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، فنحن، كبشر، في الفلسفة التوحيدية، لسنا مجرد حيوانات مدنية كما كانت اليونان الوثنية تؤمن في يومٍ من الأيام، بحكم أن اليوناني لا يرى إلا مدينته التي يعيش فيها، وإنما نحن "عالمين" لا قيمة لوجودنا إلا أن نكون ضمن سياق معولم يشمل كل من يسكن على الأرض وليس فقط أبناء المدينة الواحدة، هذا ما يفسر الرغبة التبشيرية الموجودة عند الأديان التوحيدية، وهو يفسّر كذلك الهوس التوسعي العولمي في الآيدولوجيات التي انبثقت منها، المشكلة في الغرب أن النقد "المحافظ دينياً" يصب جام غضبه على العواقب السيئة للشيوعية والليبرالية في المجتمعات الغربية، ولكنه يتقاضى عن حقيقة أن جوهر المشكلة يكمن في التشكل الفلسفي لهذه الأديان نفسه، وفي الشرق، المشكلة أكثر مأساةً، فالإسلام المهيمن على هذه المنطقة هو أيضاً يرى نفسه كمشروع عالمي يجب أن ينتشر بأي ثمن، ولهذا تجد أن الاعتبارات الأخلاقية ساقطة عند جميع الأطراف، فالتضحية لأجل "المشروع العالمي" مهما كان وكيف يكون حسب كل طرف هي أهم من كل شيء بالنهاية.
حتى الغرب المسيحي الذي ظننا يوماً ما أنه حل قضية العلاقة بين الدين والدولة، تأتي الدولة المهيمنة عليه لتدعم دولة أخرى بناءً على معتقدات دينية تتعلق بأهمية قيام دولة لليهود من أجل عود المسيح، لا بل حتى مجيء شخص مثل دونالد ترامب، الذي عرفه العالم بكونه قائداً "غير مؤدلج" بتراث ما الحرب العالمية الآيدولوجي، لم يستطع الوقوف بوجه هذا "المد التوحيدي" وانجرف معه في آخر الأمر، قناعةً أو استسلاماً لما هو مهيمن لا أدري صراحةً، ولكن ما يجب أن ندركه أننا ما زلنا حتى الآن نعيش في عالم "توحيدي"، الفروقات والتمايزات بيننا كشعوب ودول ومجتمعات انتهت بهيمنة نموذج غالب موحد، والاختلافات العميقة بيننا أضحت مجرد مظاهر فلكلورية لا أكثر.
الكل يرتدي نفس الأزياء، والكل يقرأ نفس الكتب، الكل يطمح لتحقيق نفس الأهداف في الفضاء العام الاجتماعي والسياسي، والكل يخدم نظام البنوك المركزية الموحد في الاقتصاد، لا يوجد نظام سياسي على وجه الأرض يطمح لتحقيق أهداف كبرى تتخطى حدود الحاجة اليومية، وكل نظام من هذه الأنظمة يرى شعبه مجرد آلات تخدمه إن كان بالإنتاج الاقتصادي غير المحدود أو بالسيطرة البوليسية على الناس، والعدم التوحيدي، المميز عن الفراغ البوذي واللاموجود اليوناني-كما شرحهم المؤلف بالكتاب- هو خواء روحي قاتم أكثر من كونه فرضية لتفسير منشأ الكون وما كان موجوداً قبل خلقه.

تعليقات
إرسال تعليق