العراق بعد الفتح الإسلامي... رؤية غير مألوفة
أعتقد أن هذا الكتاب هو أفضل ما سوف تقرأه عن مرحلة "العراق بعد الفتح الإسلامي"، ليس لسردهِ العلمي المنظّم والمحكم، وإنما لاحتوائه كماً هائلاً من مصادر عربية وأجنبية قديمة وحديثة كتبت عن وضع العراق في تلك الفترة، ليس غرضي الآن إعادة تفاصيل موجودة فيه أو كتابة مراجعة عنه، فهذا شأن الهواة وليس شأني، ولهذا سأحاول استخلاص "مسبقات فكرية" تخدمنا بتحليل وضع العراق اللاحق للفتح وكذلك وضعه الحالي المتأزم.
يمكن القول أن مشكلة العراق آنذاك تمثلت بجانببين: انهيار ساساني، وحكم عربي ديني سوّغت فيه ممارسات قبلية ضارة باستخدام الدين، وحتى ما يمكن اعتباره "تحديثاً" أو "أِشياء إيجابية" حدثت بعد الفتح قام بها بعض الولاة، فهي لا تمثل شيئاً مقابل الكارثة المرسخّة والتي سوف يتلقى العراقيون عواقبها بعد قرونٍ تلت.
الانهيار الساساني آنذاك كان حصيلة عوامل متعددة، الحرب الطويلة مع البيزنطيين التي أرهقت الإمبراطورية الساسانية، وزيادة نسبية في الضرائب، وصعود طبقة رجال الدين المجوس وتوغلهم في مفاصل الدولة، هذه العوامل طبيعية وقد حدثت مع حضارات كثيرة، لكن المشكلة تكمن في أن المسلمين القادمين للعراق أخذوا القوالب الساسانية المتأخرة مع تعديلات طفيفة تتعلق بالعقيدة الجديدة القادمة من جزيرة العرب، وحتى التحديثات الإدارية التي قاموا بها، لم تكن لتحدث لولا وجود سكان محليين من الفرس والآراميين والعرب المتوطنين في العراق ساعدوهم على تنفيذها بفاعلية عالية، ورغم ذلك، فإن ازدياد الضرائب وشمولها محاصيل أخرى، ورفع أسعار الغلات الذي بدأ منذ عهد عمر ابن الخطاب ولم ينتهِ عند عهد عثمان، والصراع المرير على السلطة، هي ظواهر إسلامية خالصة جزع منها العراقيون وقد شكّلت موقفهم السلبي تجاه أي سلطة قائمة جاءت بعد هذا العهد.
هناك قضية خطرة لم أجد أحداً من الكتاب العرب الذين كتبوا عن الخوارج قد ذكرها، ألا وهي "عراقية الخوارج الخالصة"، لا أحد يخبرنا مثلاً أن هذه الجماعة الثائرة أتت من خلفية مضطهدة بمرارة، فقد كانوا فلاحين مسلوبي الأرض بدأ سلبهم أرضهم في عهد زياد ابن أبيه، عمليات السلب والاضطهاد هذه كوّنت منهم جماعة متطرفة، وحسبكَ أنهم كانوا أشداء على المسلمين وتعاملوا بسماحة مع المسيحيين والطوائف الأخرى آنذاك، فمقولة "لا حكم إلا لله" هي تأصيل روحي ثابت حملهم عليه رفضهم لكل السلطات القائمة، والتي انتهت في آخر الأمر بقتل علي بن أبي طالب نفسه، الذي قاتلوا معه في صفين، ولكن قبوله بالتحكيم هو الذي جعلهم يتركوه لأنه بحسب قناعتهم قد استسلم لمعاوية، وحين نعرف، أن معاوية وحده سحب مليون درهم من العراقيين آنذاك-وهو مبلغ ضخم جداً بمقاييس ذلك الزمان-، سنعرف لِمَ عارضه الخوارج وثاروا ضده أكثر من اثنتي عشرة مرة، وهي أكثر حتى من المرات التي ثار بها أنصار علي بعد مقتله في الكوفة ضد معاوية، كانت كراهيتهم لبني أمية شديدة، وهي كراهية ممتدة منذ عثمان الذي مكّن ولاته وأطلق يدهم على العراق ينهبون ثرواته ويرسخون نفوذهم فيه على حساب أي قضية أخرى.
ما نعرفه اليوم عن الشخصية العراقية ونحاول إطلاقه كأحكام جاهزة كالتعصب والميل للعنف والتعامل العاطفي مع الأزمات -رغم وجود كثير من المشاكل فيه- يجد جذوره المتينة في تلك الفترة، لكننا نتفاجأ حين نرى التسامح الديني بين العراقيين، وتنوع النقاشات التي كانت تدور بينهم منذ فترة ما قبل الفتح، والعيش السلمي بين طوائفه، كان العراق موطناً آمناً لجماعات دينية شتى، حتى اليهود، الذين عُرف أنهم مضطهدون في بقع كثيرة شرقاً وغرباً، وجدوا مساحتهم الآمنة في العراق، وشكلوا مجتمعهم الخاص بهم، لم يكن العراق ذا لونٍ واحد، وهذا التنوع الديني هو الذي كان مصدر قوتهِ الحضارية والثقافية الهائلة في المنطقة، حتى الميل المباشر لاستخدام العنف بحل المشاكل كان يمجّه العراقيون حين رأوه عند العرب القادمين من الجزيرة، وكان بعض القساوسة الآراميين يصفون هذه الحالة بـ "حمية العرب"، فهي حالة غريبة نوعاً ما عن العراقي الذي اعتاد النفس الطويل بسبب الزراعة والري، وإذا بأرضه تكون موطئاً لحروب ونزاعات أهلية تترك آثاراً لا تمحى بوعيه وتعامله مع العالم المحيط حوله.
مهما أوغلنا بذكر العوامل الاقتصادية والسياسية للانحطاط اللاحق في وادي الرافدين، فهي عوامل متكررة، وتحدث في حضارات ودول كثيرة حول العالم وفي مراحل التاريخ المتنوعة، لكن ما يمكن ملاحظته كمشكلة أساسية بالحكم الإسلامي اللاحق هو "النظرية السياسية" الخاصة بالحكم، و"الإطار الروحي" الذي يقف خلف مؤسسة حكم الدولة، قد نقول أن عرب الجزيرة مثلهم مثل أي جماعة بدوية تغزو وتنهب ولكنها حين تستوطن أو تختلط بجماعة متحضرة تأخذ منها تحضرها، وهذا حدث فعلاً في العراق، فكثير من العرب القادمين كغزاة حين توطنوا في حواضر الكوفة والبصرة تعلموا القراءة والكتابة، واللبس المتأنق، والسبح بالحمامات العمومية التي لم يكن عندهم مثلها في البقاع التي جاؤوا منها، لكن الدين الذي حملوه معهم سوّغ بعضاً من أشد الممارسات القبلية ضرراُ، فنظام الخلافة مثلاً هو شكل آخر لنظام المشيخة القبلي، الذي لا ينتقل فيه الحكم من الأب للابن مباشرةً كما هي العادة في النبالة الأوربية على سبيل المثال، وإنما يتوزع بين قبيلة الخليفة، ولهذا فإن الصراع على زعامة قريش تحول من كونه نزاعاً قبلياً اعتيادياً، إلى صراع على الزعامة مشفوع بالتسويغ الديني الذي فتح الدين الجديد البابَ له، وهذا ما سوف يجلب وبالاً على العراق والمنطقة ما زال مستمراً حتى الآن.
إن ذهاب العراقيين مع علي وآله من أكثر المواضيع تعقيداً التي يمكن الحديث عنها، ولكن، كما نستشف من التمعن بالتفاصيل، فإن ذهابهم معه كان رفضاً للحيف الذي وقع عليهم من السلطات الإسلامية المتعاقبة، وهو بحث دؤوب عن عدالة مفقودة كانوا يبحثون عنها، وهو ما أنتج، كما أنتج العقيدة الخارجية، الفرق الشيعية بتنوعها، وما كان العراقيون يتناظرون حوله كمسيحيين ومجوس ووثنيين ويهود حول الدهر والقدر وحرية الإرادة، تحول ولع النقاش هذا في إطار كلامي إسلامي، وبدأت العقائد الدينية تتشكل كما نعرف ونقرأ عنها اليوم، وبقي علي وآله محوراً لا يتجزأ من تفكيرهم ونشاطهم الثقافي والسياسي أستطيع القول أنه مستمر حتى زماننا هذا، ولهذا، فمن دون نقاش علمي مفتوح حول تلك الفترة، وهذه الشخوص، -والتي أعتقد جازماً أن هذا الكتاب لو تحولت مادته من مجرد مادة مقروءة لمادة مشاهدة ومسوعة أيضاً- هو حل من حلول كثيرة يحتاجها العراقيون لكي يغيروا واقعهم اليوم، ولا أظنهم فاعلين ذلك لأسباب يطول الحديث عنها.
تعليقات
إرسال تعليق